سليمان الدخيل
57
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
حدوث صراع بين الأخوين الأمين والمأمون انتهى بقتل الأمين . وجاء انتصار المأمون على الأمين انتصارا للفرس على العرب ، فاستعاد الفرس نفوذهم ، بينما ضعف أمر العرب . على أن العرب في بغداد لم يستسلموا لما حل بهم من هزيمة على أيدي المأمون ورفاقه الفرس ، فقد ساءهم وعلى رأسهم أمراء البيت العباسي ازدياد نفوذ الفرس ، ووقوع المأمون تحت تأثيرهم ، فلما سمع العباسيون في بغداد ما فعل المأمون من نقل الخلافة من البيت العباسي إلى البيت العلوي وتغيير لباس آبائه وأجداده من السواد إلى الخضرة ، وأنكروا ذلك وخلعوا المأمون من الخلافة غضب من فعله ، وبايعوا عمه إبراهيم بن المهدى وكان فاضلا شاعرا فصيحا أدبيا حاذقا وقد عبر أحد وجوه العرب عن موقف المأمون المناهض العرب - ويدعى نعيم بن خازم - بقوله للفضل بن سهل - وزير المأمون الفارسي - إنك إنما تريد أن تزيل الملك من بنى العباس إلى ولد على ، ثم تحتال عليهم ، فتصير الملك كسرويا . ثم أقبل هذا الرجل على المأمون وحذره من عاقبة فعله بأن قال له : لا يخدعنك عن دينك وملكك فإن أهل خراسان لا يجيبون إلى بيعة رجل تقطر سيوفهم من دمه « 1 » . ومهما يكن من أمر فقد خشي المأمون من ثورة أهل بغداد ، فتخلص من وزير الفضل بن سهل ، وقصد بغداد سنة 200 ه وكان العرب قد سيطروا عليها سيطرة كاملة فهرب عنها إبراهيم بن المهدى ، والفضل بن الربيع ، ودخل المأمون بغداد ، واسترد نفوذه عليها « 2 » . على أن الفرس ظلوا في عهده يشغلون المناصب الكبيرة في بغداد إلا أننا نلاحظ أن المأمون لم يغفل العرب نهائيا بل قرب إليه أحمد بن أبي دؤاد ، وكان ضليعا في الفقه وعلم الكلام والمنطق ومن أبرز العلماء الذين ينعقد بهم مجالس المأمون العلمية ، وبتأثيره أمر المأمون بامتحان
--> ( 1 ) الجهشيارى : الوزراء والكتاب ص 383 . ( 2 ) ابن الأثير : الكامل في التاريخ حوادث سنة 200 ه .